الثعلبي
160
الكشف والبيان عن تفسير القرآن ( تفسير الثعلبي )
قال الشاعر : يظل من خوفه الملاح معتصما * بالخيزرانة بعد الأين والنجد « 1 » وقال آخر : إذا أنت جازيت الإخاء بمثله * وآسيتني ثم اعتصمت حباليا « 2 » وقال حميد بن ثور يصف رجلا حمل امرأة بذنبه : وما كاد لما أن علته يقلها * بنهضته حتى أكلان واعتصما يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ . قال مقاتل بن حيان : كان بين الأوس والخزرج في الجاهلية وصال حتى هاجر النبي صلّى اللّه عليه وسلّم إلى المدينة فأصلح بينهم ، فافتخر بعد ذلك منهم رجلان : ثعلبة بن غنم من الأوس وأسعد بن زرارة من الخزرج ، فقال الأوسي : منّا خزيمة بن ثابت ذو الشهادتين ، ومنّا حنظلة غسيل الملائكة ، ومنّا عاصم بن ثابت بن أفلح حمي الدين ، ومنّا سعد بن معاذ الذي اهتز عرش الرحمة له ورضى اللّه بحكمه في بني قريظة ، وقال الخزرجي : منّا أربعة أحكموا القرآن : أبي بن كعب ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد ، ومنّا سعد بن عبادة خطيب الأنصار ورئيسهم فجرى الكلام بينهما فغضبا ، فقال الخزرجي : أما واللّه لو تأخر الإسلام قليلا وقدوم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم لقتلنا ساداتكم ، واستعبدنا آبائكم ونكحنا نسائكم بغير مهر . فقال الأوسي : قد كان الإسلام متأخرا زمانا طويلا فهلّا فعلتم ذلك ، فقد ضربناكم حتى أدخلناكم الديار ، وأنشدا الأشعار وتفاخرا وتأذيا ، فجاء الأوس إلى الأوسي والخزرج إلى الخزرجي ومعهم سلاح ، فبلغ ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فركب حمارا وأتاهم فأنزل اللّه تعالى هذه الآية يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقاتِهِ الآيات ، فقرأها عليهم فاصطلحوا . وقال عطاء : إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم صعد المنبر وقال : « يا معشر المسلمين ما لي أوذى في أهلي » . يعني الطعن في قصة الإفك ، وقال : « ما علمت على أهلي إلّا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت منه إلّا خيرا وما كان يدخل على أهلي إلّا معي » . فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال : أنا أعذرك منه يا رسول اللّه وأكفيك أمره وأنصرك عليه ، إن كان من الأوس ضربت عنقه وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك . فقام سعد بن عبادة وهو سيّد الخزرج وكان رجلا صالحا ولكنه احتملته الحمية فقال لسعد
--> ( 1 ) لسان العرب : 3 / 418 والبيت للنابغة . ( 2 ) تفسير الطبري : 4 / 37 .